خيبة
وصل المدينة في ظهيرة يوم قائظ، قادماً من العاصمة، مثقلاً بالضجيج اليومي، والروتين، والغبار.
لم يكن يبحث عن مغامرة، ولا عن صخب، بل فقط عن هدوء مؤقت، إجازة قصيرة لا تتجاوز الأسبوع، تقطع عنه توتر المكاتب وضيق الجدران.
استقر في شقة مطلة على البحر.
كانت الشرفة رحبة، تطل على الأفق، حيث تلتقي السماء بزرقة الموج.
كان المنظر آسرًا، والشمس تغسل الواجهات الذهبية للمباني، وكأنها تعيد طلاء الذاكرة...
ذاكرة طالما حاول أن يُهملها، لكنه الآن، وقد خلا المكان من كل أحد، أراد أن يستحضرها.
جلس على الكنبة، وأخرج من حقيبته دفترًا جلدياً عتيقاً، غلافه قديمٌ لكنه أنيق، تعوّد أن يدوّن فيه ملاحظاته وأسماء أصدقائه القدامى.
صفحة بعد أخرى...
خطوط مائلة، ذكريات صغيرة، أسماء جامعية مرّت كنسيم الكافيتيريا، وضجيج المحاضرات، وضحكات كانت آنذاك لا تُقدّر بثمن.
في إحدى الصفحات، وجد الاسم الذي كان يبحث عنه.
صديق من أيام الجامعة... لم يكن مجرد زميل دراسة، بل رفيق سكن، رفيق نقاش وسهر، رفيق أحلام لم تتحقق...
ابتسم وهو يتأمل الاسم. لكن سرعان ما تقلّصت ابتسامته.
الاسم وحده، بلا عنوان، بلا رقم، بلا أي طريق يوصل إليه...
كأنّه اسم من زمنٍ انطفأ.
لكنه لم يستسلم.
أخرج هاتفه، بدأ يتصل بزملاء قدامى. بعضهم نسي صوته، وبعضهم استغرب اتصاله المفاجئ.
كل واحد منهم يرسل به إلى الآخر.
"لست متأكدًا، جرّب فلان..."
"آخر مرة سمعت عنه كان في كندا..."
"ربما عاد إلى مدينته؟"
ظل هكذا لأكثر من ساعة، يراوح في دائرة الاتصالات والانتظار والذكريات.
وأخيرًا، وصل إلى رقم هاتف.
قال له أحدهم: "هذا آخر رقم عندي له... مش متأكد إذا ما يزال يستعمله، لكن جرّب."
وسجّله.
تردد لحظة.
ثم ضغط زر الاتصال.
رنّ الهاتف مرّتين... ثلاثاً... خمساً...
ثم جاء صوت أنثوي ناعم:
ــ ألو؟ من المتصل؟
ــ مرحبًا... أنا فلان، زميل الدراسة في الجامعة... كنت أبحث عن صديقي فلان بن فلان، هل هذا رقمه؟
ــ نعم... عذرًا، لم أعرفك من الصوت... تغيّر كثيرًا...
ــ طبيعي، مرت سنوات طويلة...
ــ فعلًا... كيف حالك؟
ــ بخير، وأنت؟
ــ الحمد لله...
ــ في الحقيقة، أنا الآن في مدينتك، أقضي إجازة قصيرة. أحببت أن أراك، نشرب قهوة، نسترجع شيئًا من الذكريات...
ــ آه، أنت هنا؟... جميل... يشرفني ذلك بالتأكيد...
ــ متى يناسبك؟
ــ سأعاود الاتصال بك قريبًا، لنحدد موعدًا مناسبًا...
أنهى المكالمة بنبرة مجاملةٍ باردة.
كان يسمع في صوته شيئًا لم يكن فيه من قبل...
كأن الزمن بدّل كل شيء... أو أن الذكريات كانت تعني له وحده.
في المساء، جلس في الشرفة يرقب الموج.
أشعل سيجارة، شيء لم يعد يفعله منذ زمن...
ثم همس:
"لم أطلب مالًا... لم أطلب خدمة... فقط فنجان قهوة!"
مرّ اليوم الأول...
ثم الثاني...
ثم الثالث...
الأيام تتقشر كما تتقشر أوراق التقويم...
ولا شيء.
لا اتصال.
لا موعد.
ولا حتى رسالة قصيرة.
أوشكت الإجازة على نهايتها.
وبقي هو في الشقة نفسها، يطلّ على البحر، يردد في داخله أغنية قديمة بلا صوت:
"كان يمكن أن يكون لقاءً بسيطًا، لكنه لم يكن قدَرًا..."
أطفأ الهاتف، أغلق الدفتر، وأعاد الحقيبة إلى مكانها.
لم يكن غاضبًا...
فقط شعر ببرودةٍ ما بين الضلوع... شيء يشبه الحزن، لكنه لا يبكي.
فهم حينها أن بعض الأبواب حين تُطرق بعد غياب طويل، لا تُفتح...
وإن فُتحت، فإنها تُفتح على خيبة.
تعليقات
إرسال تعليق