أحببتكِ، ولا عذرَ لي أمام العقل ولا حجّةَ أقدّمها للزمن، إلّا جمالُ عينيكِ حين كانتا تُربكان يقيني وتُسقطان عن قلبي كلَّ محاولات النجاة. أحببتكِ كما يُحبّ من يعرف الهزيمة ويُقدِم، وكما يُلقي العاشقُ بنفسه في نهرٍ يعرف عمقه ولا يتراجع. عيناكِ لم تكونا نظرةً بل قَدَرًا، وما كان الحبّ قرارًا بل انكسارَ مقاومةٍ أمام فتنةٍ لا تُجادَل. فإن سألوني: لِمَ أحببتَ؟ قلتُ: لا تسألوا القلبَ عمّا يفعل حين يُحاصَر بالجمال، ولا تُدينوا عاشقًا لم يجد عذرًا أفصحَ من عينيكِ.
إهداء إلى تلك التي مرّت كهديةٍ من ليلٍ عابر، وأخذت نجمتها معها… وتركت لي سماءً أتعلّم فيها كيف أودّع الضوء. ............ الليلُ أتى حينَ تدلّى التَّعبُ من كتفي، ودخلَ الحديقةَ خفيفَ الخطوِ كعاشقٍ يخشى البوح. قال: خُذْ هذهِ النَّجمة، لا تسألْ من أينَ جاءت، فالعشّاقُ إذا مَنحوا لا يشرحونَ الهدايا. رشَّ العطرَ فوق أزهاري، قال: من كوكبِ الحُبِّ حيثُ القلوبُ تُحِبُّ ولا تُقيم. جلسنا… أنا والليلُ والنَّجمةُ، نعدُّ الصمتَ ونخافُ الفرح. وحينَ أتى الفجرُ ارتبكَ الليلُ، جمعَ عطرَهُ ومضى كما يمضي العشّاق. عادَ الليلُ مرّاتٍ مرّات، سألني عنّي وصمت… لكنّه لم يسأل عن نجمتي. نجمتي— هديّةُ ليلي— رحلت، وتركتْ في سمائي فراغًا، وما عادت… حتّى لوداعي.
وصل المدينة في ظهيرة يوم قائظ، قادماً من العاصمة، مثقلاً بالضجيج اليومي، والروتين، والغبار. لم يكن يبحث عن مغامرة، ولا عن صخب، بل فقط عن هدوء مؤقت ، إجازة قصيرة لا تتجاوز الأسبوع، تقطع عنه توتر المكاتب وضيق الجدران. استقر في شقة مطلة على البحر. كانت الشرفة رحبة، تطل على الأفق، حيث تلتقي السماء بزرقة الموج. كان المنظر آسرًا، والشمس تغسل الواجهات الذهبية للمباني، وكأنها تعيد طلاء الذاكرة... ذاكرة طالما حاول أن يُهملها، لكنه الآن، وقد خلا المكان من كل أحد، أراد أن يستحضرها . جلس على الكنبة، وأخرج من حقيبته دفترًا جلدياً عتيقاً، غلافه قديمٌ لكنه أنيق، تعوّد أن يدوّن فيه ملاحظاته وأسماء أصدقائه القدامى. صفحة بعد أخرى... خطوط مائلة، ذكريات صغيرة، أسماء جامعية مرّت كنسيم الكافيتيريا، وضجيج المحاضرات، وضحكات كانت آنذاك لا تُقدّر بثمن. في إحدى الصفحات، وجد الاسم الذي كان يبحث عنه. صديق من أيام الجامعة... لم يكن مجرد زميل دراسة، بل رفيق سكن، رفيق نقاش وسهر، رفيق أحلام لم تتحقق... ابتسم وهو يتأمل الاسم. لكن سرعان ما تقلّصت ابتسامته. الاسم وحده، بلا عنوان، بلا رقم، بلا أي طريق يوصل إل...
تعليقات
إرسال تعليق